أطربُ لصياحِ الأطفال وإلحاحهم الباكي أمام آبائهم , بل ربما أزيدُ من تلك الدموع بطريقتي الخاصة . فخلال المدة التي قضيتها في محل الألعاب تعودتُ استغلال المواقف بل ونميتُ هذه الموهبة شهراً بعد شهر .
يدخلُ الصغير منهم فاعرفُ مباشرة مدى اهتمام أهله به بتعاملهِ معهم ومعي . بعضهم يحملُ مالهُ بيده ويختارُ لعبته بنفسه ويجادلُ على السعرِ أيضاً . وبعضهم وجودهُ في المحل من باب “رفع العتب” فلا يختارُ اللعبة ولا يأخذون برأيهِ فيها . وبعضهم يجبرُ أهلهُ على اختياره ولو كان غالي الثمن , قليل النفع .
الكبارُ كالأطفال تماماً , يكابرُ بعضهم قليلاً . والآخر يضربُ الصغير لأنه لم يستطع السيطرة عليه . والثالث يصرخ ليطالبه بالسكوت . والرابع كأنه في عالمٍ آخر ويترك للمرأة معالجة الموقف لكن في النهاية تكون الغلبة لمحلِ الألعاب لأنه إن لم يخرج الصغيرُ بلعبة فانه لابد أن يأخذ معه قطعة حلوى من أحد الأصناف التي أتفننُ بطريقة عرضها في مقدمة المحل .
بعض العائلات ينفع معها أن ألوح بالبدائلِ المتاحة للعبة المرفوضة , والبعض الجأ للصغير مباشرة وكأنني أحاول إقناعه بالعدول عن رأيه المخالف لمرافقيه بينما أزيده إصراراً على رأيه وغيرها الكثير من الطرق .
لكن رغم كثرة المواقف التي صادفتني لم تكن لتبقى معي بعدما أقفل المحل كما حدث اليوم :
كان طفلاً هادئاً حين دخل المحل تبعته أمهُ ثم بعد دقائق أتى الوالد . دارَ الصبي مرتين أو ثلاث على معروضات المحل ثم اختارَ دميةً متوسطة الحجم بنظارةٍ صغيرة وقدرةٍ على البكاء . رفعها لوالدتهِ مبتسماً التي بدورها سألتني عن السعر . وقبل أن أجيبها هاج الوالد واخذَ ينعتُ الصغير بأبشعِ أوصاف الضعف وعدم الرجولة , مع دعواتٍ مريرة – لأنه اختار لعبةً خاصةً بالفتيات – انكسر لها قلبي فكيف بقلبِ الصغير ! الذي لم يبكِ ولم يلجأ أو ينظر حتى لوالدته , بل اكتفى بالنظرِ إلى الدمية , حتى صرختُ على الكبير بقلةِ صبر ليحترمَ المكان فتَكَرّمَ عليَّ بشتيمةٍ من النوعِ الثقيل ثم خرج .
عادتْ المرأة تسألني عن السعر فأجبتها . وكأنني كنتُ أبلهاً فقلتُ للصبي : ” لازم تسمع كلام بابا ” . فدمعتْ عيناه ثم قال : ” العروسة لعمة سارة , تبغى بنيّة قبل ما تموت ” .
قالتْ الأم وهي تدفعُ المبلغ : ” خلاص يا ماما الحين نروح لعمة سارة , بس لا تقول لها أن بابا زعلان ” .
حضنها بامتنانٍ وهو يقول : ” ماما , إنتي زميلة زداً زداً ” .
أعجبني ما حدث فاتجهتُ لأغلى سيارةٍ في المحل من النوع الذي يعمل بالتحكمِ عن بعد وبسرعاتٍ واتجاهاتٍ مختلفة . مددتها له وأنا أقول : ” هذي هدية لك من المحل ” . ابتسم ابتسامةَ فرح ثم التفتَ لوالدته متسائلاً : ” ماما نعطيها خالي فيصل ؟ سيارته خربانة ” .
ضحكتُ منه ثم هددتهُ بأنني سأتضايق كثيراً إذا أعطاها لأحد . خرجتُ من المحل بعد خروجه الرجالي الموشح بعباراتِ الشكرِ البريئة .
دخلتُ على والدتي , قبلتُ رأسها وأنا أقول : ” ماما , إنتي زميلة زداً زداً ………….” .